أزمة نصف مباراة.. لماذا يعاني برشلونة في الشوط الأول ومانشستر سيتي في الثاني؟

في كرة القدم، تتردد مقولة قديمة بعمق فلسفي“الشوط الثاني شوط المدربين” هناك، في الممر الضيق المؤدي إلى غرف الملابس، تُصاغ القرارات الحاسمة، وتُعاد كتابة السيناريوهات، وتُصحح الأخطاء التي كادت أن تُفسد المشهد، بين صمت اللاعبين وتركيز الأجهزة الفنية، يولد وجه مختلف للمباراة، لكن هذا الموسم، تقف مفارقة غريبة أمام هذه الحكمة الكروية، وكأنها تختبر صدقيتها من جديد، لأن ما يحدث مع بيب جوارديولا وهانز فليك لا يشبه القاعدة بقدر ما يناقضها.

في برشلونة، تكشف الأرقام عن قصة مقلقة لا تخطئها العين: من أصل 23 هدفًا استقبلها الفريق هذا الموسم، جاء 17 هدفًا في الشوط الأول، مقابل 6 فقط في الشوط الثاني، الفريق يبدو وكأنه يدخل المباريات بنبض بطيء، يترك المساحات، ويدفع ثمن لحظات تركيز ناقصة، قبل أن يستعيد توازنه بعد الاستراحة، هناك، يظهر أثر فليك بوضوح؛ تصحيحات تكتيكية، تقارب في الخطوط، وهدوء في إدارة الإيقاع، برشلونة يتأخر في الاستيقاظ، لكنه عندما يفعل، يصبح أكثر صلابة وانضباطًا.

ليروي ساني – مانشستر سيتي – بيب جوارديولا – المصدر (Getty images)

على الجانب الآخر، تبدو الصورة معكوسة تمامًا في مانشستر سيتي، الفريق استقبل 24 هدفًا، 6 فقط منها في الشوط الأول و18 في الشوط الثاني، سيتي يبدأ مبارياته بانضباط دفاعي واضح، ضغط منظم، وتحكم شبه كامل في التفاصيل، لكن بعد الاستراحة، تتسلل الفوضى أحيانًا؛ مساحات أكبر، تراجع في التركيز، وربما إرهاق بدني يترك أثره في اللحظات الحاسمة، جوارديولا يضع الأساس المثالي، لكن النهاية لا تأتي دائمًا بالقوة نفسها.

هنا تبرز الأسئلة.. هل نحن أمام مفارقة نفسية تتعلق بطريقة دخول المباريات والخروج منها؟ أم أزمة بدنية ترتبط بإدارة الجهد على مدار 90 دقيقة؟ أم أنها مسألة تكتيكية بحتة تعكس فلسفة كل مدرب في توزيع المخاطر؟ ربما أصبح الشوط الثاني فعلًا شوط المدربين، لكن كلٌ بطريقته الخاصة؛ فليك يتقن فن التصحيح، وجوارديولا يتقن فن البداية، وبين الشوطين، تبقى الحقيقة واحدة بأن البطولات لا تُحسم إلا بمن يملك الأفضلية في المباراة كاملة، لا نصفها فقط.

هانز فليك - لامين يامال - المصدر (Getty images)
هانز فليك – لامين يامال – المصدر (Getty images)

سيناريو تخيلي.. عندما يتبادل جوارديولا وفليك الأدوار

تخيلوا مباراة كبرى، نهائيًا أوروبيًا أو كلاسيكو قاريًا تحت أضواء كثيفة، الدقيقة الأولى تنطلق، وبيب جوارديولا يتولى إدارة الشوط الأول، بينما يقف هانز فليك مترقبًا دوره بعد الاستراحة، منذ اللحظة الأولى، نرى فريقًا منضبطًا في تمركزه، ضغطًا عاليًا محسوبًا، واستحواذًا لا يهدف فقط للسيطرة بل لخنق أي محاولة ارتداد، في هذا السيناريو المتخيل، يظهر أثر جوارديولا واضحًا في البداية بإغلاق مبكر للمساحات، توزيع ذكي للكرة، ومنع شبه كامل للفرص الخطيرة.

في أول 45 دقيقة، تبدو الصورة مثالية، الفريق الإنجليزي يتحكم في الإيقاع، يفرض منطقه التكتيكي، ويمنع الخصم من التنفس، لو كان هذا المشهد يُطبق على برشلونة، لاختفت تلك البدايات المرتبكة التي كلفته أهدافًا مبكرة هذا الموسم، يصبح الدخول إلى المباراة أكثر تركيزًا، وأكثر صلابة، وكأن صافرة البداية ليست لحظة جس نبض، بل إعلان سيطرة فورية.

هانز فليك - بيب جوارديولا
هانز فليك – بيب جوارديولا
(المصدر:Gettyimages)

ثم تأتي الاستراحة، غرفة الملابس تتحول إلى ورشة إعادة ضبط، الآن يبدأ دور فليك، مع انطلاق الشوط الثاني، يتغير الإيقاع؛ الخطوط تتقارب، الارتداد الدفاعي يصبح أسرع، والقراءة التكتيكية للخصم أكثر هدوءًا وواقعية، برشلونة في هذا المشهد يتحول إلى ماكينة توازن دفاعي، لا يندفع بلا حساب ولا يترك مساحات مجانية، وفي المقابل، لو تولى فليك الشوط الثاني لـ مانشستر سيتي في واقعه الحالي، ربما شاهدنا فريقًا أكثر براجماتية في إدارة التقدم بل وأكثر قدرة على استغلال المساحات، أقل اندفاعًا هجوميًا، وأكثر وعيًا بلحظة “قتل المباراة” بدلًا من تركها مفتوحة على الاحتمالات.

هذا السيناريو الخيالي يكشف جوهر المفارقة بوضوح، جوارديولا هذا الموسم بارع في التحضير والبداية، في رسم أول ملامح المباراة بدقة هندسية، بينما فليك متقن لقراءة التفاصيل أثناء سيرها، وإعادة ضبط الإيقاع عندما تميل الكفة، لكن الواقع لا يسمح بتقسيم المباراة بين مدربين؛ كل منهما يتحمل الـ90 دقيقة كاملة، وهنا يعود السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل التفوق في نصف المباراة إلى هيمنة كاملة لا تعرف التذبذب؟

برشلونة.. لماذا تسقط كتيبة فليك في البداية؟

استقبال 17 هدفًا في الشوط الأول ليس رقمًا عابرًا، بل نمطًا يتكرر ويطرح تساؤلات حقيقية حول طريقة دخول برشلونة للمباريات هذا الموسم بالدوري الإسباني، الفريق يبدأ غالبًا بجرأة هجومية واضحة، محاولًا فرض شخصيته منذ الدقيقة الأولى، لكن هذه الجرأة تأتي أحيانًا على حساب التوازن الدفاعي، وكأن الرغبة في السيطرة السريعة تسبق الحسابات الدقيقة للمخاطر، فتظهر المساحات، ويظهر معها العقاب.

أولى الإشكاليات تكمن في الخط الدفاعي المتقدم، فلسفة هانز فليك تعتمد على ضغط عالٍ واسترجاع سريع للكرة، وهي فلسفة تمنح الفريق كثافة هجومية واستحواذًا مريحًا، لكن أمام خصوم يجيدون التحولات السريعة، يتحول هذا التقدم إلى سلاح ذي حدين، في الدقائق الأولى تحديدًا، يكون لاعبو الخصم في أعلى درجات التركيز البدني والذهني، ما يجعلهم أكثر قدرة على استغلال أي خطأ طفيف في تمركز السلسلة الدفاعية، تمريرة واحدة خلف الخط، أو تأخر جزء من الثانية في التغطية، قد يكون كافيًا لكسر المنظومة.

الأهداف التي استقبلها برشلونة في الليجا

العامل الثاني هو الاندفاع الهجومي المبكر، برشلونة يسعى لفرض الإيقاع سريعًا، يضغط بكثافة، ويمنح ظهيريْه حرية تقدم واسعة، لكن هذا التقدم يخلق فراغات خلفية، خصوصًا إذا فُقدت الكرة في مناطق متقدمة، أضف إلى ذلك بطء الدخول الكامل في أجواء المباراة؛ بعض الأهداف جاءت من لحظات تركيز منخفضة في أول ربع ساعة، حيث لم يكن الإيقاع الدفاعي قد استقر بعد، إنها لحظات قصيرة، لكنها مكلفة.

لكن الصورة تختلف بعد الاستراحة، في الشوط الثاني، يصبح الفريق الكتالوني أكثر هدوءًا واتزانًا، الخطوط تتقارب، المسافات بين الدفاع والوسط تقل، والضغط يتحول من اندفاع شامل إلى ضغط انتقائي محسوب، ستة أهداف فقط استقبلها الفريق في الشوط الثاني تعكس قدرة فليك على قراءة الأخطاء وتصحيحها، حتى لو جاء هذا التصحيح بعد أن يكون الضرر قد وقع، إنها مفارقة واضحة برشلونة هذا الموسم يتعلم أثناء المباراة لكن أحيانًا بعد أن يدفع الثمن.

ما القناة الناقلة لمباراة برشلونة ضد جيرونا وأين تشاهد مباريات الدوري الإسباني؟
برشلونة (المصدر:Gettyimages)

مانشستر سيتي.. لماذا تنهار منظومة بيب بعد الاستراحة؟

على الجانب الآخر، يبدو مانشستر سيتي في الشوط الأول كفريق مُحكم الإغلاق، منظم الخطوط، واضح الأدوار، ستة أهداف فقط استقبلها قبل الاستراحة بالبريميرليج تعكس جودة التحضير الذهني والتكتيكي الذي يزرعه بيب جوارديولا في لاعبيه، الفريق يدخل المباراة بخطة دقيقة، ضغط محسوب، وتحكم شبه كامل في الإيقاع، الخصم نادرًا ما يجد المساحات، ونادرًا ما يصل إلى مناطق الخطورة بسهولة.

لكن بعد الاستراحة، تتبدل الصورة، استقبال 18 هدفًا في الشوط الثاني ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على خلل يتكرر، أول الأسباب يتعلق بالإجهاد البدني؛ أسلوب الاستحواذ المكثف والضغط العكسي الذي يعتمده سيتي يستهلك طاقة هائلة، خصوصًا في المباريات المتتالية، ومع مرور الوقت، تقل سرعة الارتداد، وتصبح المساحات بين الخطوط أوسع، فتظهر الثغرات التي لم تكن موجودة في البداية.

الأهداف التي استقبلها مانشستر سيتي في البريميرليج

العامل الثاني هو المخاطرة الزائدة عند التقدم، سيتي، بطبيعته الهجومية، لا يجيد أحيانًا “انهاء” المباراة بالمعنى التقليدي، يستمر في الهجوم حتى وهو متقدم، بدل إدارة الإيقاع وامتصاص حماس الخصم، هذا الموسم تحديدًا، ومع ضغط المنافسة وملاحقة المتصدر، يبدو الفريق مطالبًا بالفوز في كل مباراة، ما يدفعه أحيانًا إلى الإبقاء على النسق العالي بدل التحول إلى براجماتية محسوبة، هنا يتحول السعي لقتل المباراة إلى فرصة لعودة الخصم.

ثم تأتي مسألة التبديلات والتركيز الذهني في الدقائق الأخيرة، أحيانًا يحتاج الفريق إلى لاعب يغلق المساحات ويعزز التوازن، لا إلى عنصر إبداعي إضافي، وبعض الأهداف جاءت في الربع ساعة الأخيرة، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة — تمركز خاطئ، كرة ثابتة، لحظة تردد — قاتلة، هنا تبدو المفارقة جلية: جوارديولا اليوم يتقن كتابة السيناريو من بدايته، يرسم أول الفصول بدقة، لكن في بعض الليالي يفلت منه المشهد الأخير، ويُعاد فتح النص بعدما ظن الجميع أنه أُغلق.

ما موعد مباراة مانشستر سيتي ضد فولهام في الدوري الإنجليزي 2025-26؟
إيرلينج هالاند – مانشستر سيتي (المصدر:Gettyimages)

في كرة القدم.. هل هناك فعلًا شوط للمدربين؟

بعد كل ذلك، يبقى السؤال معلقًا: هل يوجد حقًا ما يمكن تسميته “شوط المدربين”؟ النظرة التقليدية تقول إن الشوط الثاني هو مساحة التأثير الحقيقي، حيث تظهر بصمة المدرب في التعديلات التكتيكية وردود الفعل، ووفق أرقام هذا الموسم، يبدو هانز فليك أقرب لتجسيد هذه الفكرة دفاعيًا؛ فريقه أكثر تماسكًا بعد الاستراحة، أقل استقبالًا للأهداف، وأكثر وعيًا بالتفاصيلر وكأن غرفة الملابس تتحول بين يديه إلى معمل تصحيح يعيد ضبط الإيقاع ويحدّ من الفوضى.

في المقابل، يقدم بيب جوارديولا نموذجًا مختلفًا؛ مدرب الشوط الأول بامتياز هذا الموسم، التحضير المسبق، قراءة الخصم قبل البداية، توزيع الأدوار بدقة، كلها عوامل تمنح فريقه انطلاقة قوية وانضباطًا مبكرًا، سيتي غالبًا ما يبدأ المباريات وكأنه أنهى نصف المهمة بالفعل، مسيطرًا ومتحكمًا في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق.

المفارقة أن كليهما يملك القدرة النظرية على علاج مشكلة الآخر، فليك يستطيع أن يمنح سيتي هدوء الإغلاق، وجوارديولا قادر على منح برشلونة بداية أكثر صلابة، لكن كرة القدم ليست معادلة نظرية يمكن حلها على الورق، إنها توازن هش بين الجرأة والحذر، بين الإيمان بالفلسفة والقدرة على تعديلها عند الضرورة، أحيانًا يكون الإصرار على الهوية سلاحًا، وأحيانًا يتحول إلى نقطة ضعف.

يقول الطليان: “الهجوم يجلب الانتصارات، لكن الدفاع يجلب البطولات” عبارة خرجت من رحم الكالتشيو حيث تعلم العالم معنى الصلابة والانضباط، لا فريق يرفع كأسًا كبيرة وهو يستقبل أهدافًا بسهولة، سواء في البداية أو النهاية، البطولات تحتاج تركيزًا كاملًا لتسعين دقيقة، قدرة على قتل المباراة عند التقدم، وصلابة ذهنية لا تهتز بلحظة خطأ، برشلونة لن يحلم بلقب كبير إن ظل يتلقى الضربات مبكرًا، ومانشستر سيتي لن يطمئن أوروبيًا إن استمرت معاناته بعد الاستراحة، المدربان عظيمان، لكن العظمة الكاملة لا تتحقق إلا حين يصبح الفريق صلبًا في الشوطين معًا، من صافرة البداية حتى صافرة النهاية.

لا تُختزل في شوط.. بل معركة لمدة 90 دقيقة

في النهاية، كرة القدم لا تُختزل في شوط أول قوي أو شوط ثانٍ مثالي؛ إنها تُحسم على مدار 90 دقيقة متصلة في ذاكرة التاريخ، الجماهير قد تتذكر هدفًا مبكرًا أو ريمونتادا متأخرة، لكنها في المحصلة لا تفصل بين الفترتين، بل تحاسب الفريق على الصورة الكاملة، هذا الموسم، يقدم بيب جوارديولا وهانز فليك درسًا غير مألوف يجسد العبقرية التكتيكية التي قد تتجلى في نصف المباراة فقط، بينما يبقى النصف الآخر مفتوحًا على الاحتمالات.

المعضلة ليست في القدرة، فكلاهما يملك أدوات التصحيح والتحضير، بل في الاستمرارية، أن تكون متفوقًا في البداية فقط لا يكفي، وأن تجيد رد الفعل بعد الاستراحة لا يضمن النجاة دائمًا، كرة القدم الحديثة لا ترحم الفرق التي تمنح خصومها نافذة زمنية للعودة، ولو كانت 15 دقيقة فقط، في تلك المساحة الضيقة، يمكن أن يتبدد جهد موسم كامل.

السؤال الذي سيحدد مصير موسمهما واضح: من سينجح أولًا في تحويل التفوق النصفي إلى كمال طوال المباراة؟ من سيغلق الدائرة بين التخطيط والتنفيذ، بين الانطلاقة والختام؟ لأن البطولات لا تعترف بأنصاف السيطرة، ولا تكافئ من يملك المباراة لخمسة وأربعين دقيقة فقط، بل تُتوَّج بمن يفرض كلمته من صافرة البداية حتى صافرة النهاية، دون انقطاع في التركيز أو تراجع في الصلابة.

مقالات ذات صلة

X